منتديات هيل وزعفران
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 آداب المريض وزيارته 1

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سارة
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

عدد المشاركات : 895
المـكان : ارض الله
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: آداب المريض وزيارته 1   السبت 24 مارس 2012 - 1:25

المنة الربانية في الآداب الإسلامية
آداب المريض وزيارته


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفُسِنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71].

أمَّا بعد:

فإنَّ أصدق الحديث كتابُ الله، وخير الهَدْي هدي محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وبعد:

فإنَّ شريعة الإسلام لم تترك بابًا من حياة الإنسان إلاَّ صبغَتْه بسمتٍ متميِّز، وهَدْي صالح راقٍ، وما ذلك إلا لأنَّها شريعةٌ متمِّمة للأخلاق، مكمِّلة للآداب، فلا يتقلَّب المسلم بين أرجائها إلاَّ بهذه التوجيهات النيِّرة.

وأُحاول في هذه المجموعة من الرسائل أن أجمَع لإخواني هذه الآداب؛ ليسهل الرُّجوع إليها، والعملُ بها، راجيًا من الله - عزَّ وجلَّ - أن يوفِّقني لإتمامها، ويرزقني الإخلاص في ذلك، ثم يتقبَّلها مني، ويثقل بها ميزاني: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 - 89].

وقد سَمَّيتُها: "المِنَّة الربَّانية في الآداب الإسلامية".



وقد صدرَ منها قبل ذلك: "آداب السَّفر"، وأمَّا هذه الرِّسالة التي بين يدَيْك؛ فقد جمعتُها في "آداب المرَض"، وكلٌّ من السفر والمرض قد جمعا في حديث النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا مَرِض العبد، أو سافر، كُتِب له ما كان يعمله مقيمًا صحيحًا))[1].

وجعلتُ بحثي هذا في "آداب عِيادة المريض"، ثُمَّ في "آداب المريض"، وقدَّمت له فصلاً في تعريف المرَضِ وأقسامه، وأوردتُ في ثنايا الكتاب بعضَ الأحكام المتعلِّقة بهذه الآداب، ثم ختمتُ الكتاب بذِكْر بعض الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة المتعلِّقة بهذا الباب؛ حتَّى يكون المرء على بيِّنة منها، ولا يتعبَّد لله - عزَّ وجلَّ - إلا بكتاب الله - عزَّ وجلَّ - وبما صحَّ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأسأل الله أن أكون قد وُفِّقت فيما قصدت، فهذا جهدُ المُقِلِّ أقدِّمه نصيحة للمسلمين، فإن يكن صوابًا، فذاك من فضل الله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن يكن خطأ، فذلك منِّي ومن الشيطان، فأستغفر الله وأرجوه التوفيق والسداد، إنه ولِيُّ ذلك والقادر عليه.

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك ونبيِّك محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
كتبه

أبو عبدالرحمن

عادل بن يوسف العزازي


معنى المرض وأقسامه

معنى المرض[2]:
لغة:

السقم، نقيض الصحَّة، وهو حالة خارجةٌ عن الطَّبع، ضارَّة بالفعل، قال ابن الأعرابي: أصل المرض: النُّقصان.

واصطلاحًا:

حالة غير طبيعيَّة في بدن الإنسان، تكون بسببها الأفعال الطبيعيَّة والنفسانية والحيوانيَّة غير سليمة.

أقسام المرض:
قال ابن القيِّم - رحمه الله -: "المرَض نوعان: مرض القُلوب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القُرآن"[3].

قلتُ: والمقصود هنا الكلام عن الآداب المتعلِّقة بمرض الأبدان، لكنَّني أذكر شيئًا يسيرًا عن مرض القلوب، راجيًا أن ينتفع به القارئ - إن شاء الله.

مرض القلوب: قسمان:
القسم الأول:

نوع لا يتألم به صاحبه في الحال؛ وذلك لفساد القلوب، فلا يحس بالألم؛ لأن سكرة الهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وهذا المرض نوعان:
أ - مرض شبهة وشك:

وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [البقرة: 10].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [النور: 48 - 50].

ب - مرض شهوةٍ وغي:

وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ [الأحزاب: 32].

القسم الثاني:
نوع يتألَّم به صاحبه في الحال؛ كالْهمِّ، والغم والحزن، والغيظ، فهذا يتألَّم به القلب، ويسبِّب تألُّمًا في البدن.

علاج مرض القلب:
قال ابن القيِّم - رحمه الله -: "فأما طِبُّ القلوب، فمُسَلَّم إلى الرُّسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا سبيل إلى حصوله إلاَّ مِن جهتهم وعلى أيديهم، فإنَّ صلاح القلوب: أن تكون عارفةً بربِّها وفاطرها، وبأسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مُؤْثِرةً لِمَرْضاته ومَحابِّه، متجنِّبةً لمناهيه ومساخِطه، ولا صحَّة لها ولا حياة ألبتَّة إلاَّ بذلك"[4].

قلت: لا بدَّ من تعلُّق القلب بالله، وتلاوة آياته، وصدق اللُّجْء إليه، ومحبَّته، وخشيته، والاستعاذة والاستعانة به ونحو ذلك.

ويزداد لعلاج النَّوع الثاني من أمراض القلب: إزالة الأسباب الطبيعيَّة التي كانت سببًا لها، كأسباب الهمِّ والغم وغيرهما من أمراض القلوب.

علامات صحة القلب:
قال ابن القيِّم - رحمه الله -: "ومن علامات صحة القلب أنْ لا يَفْتُر عن ذِكْر ربِّه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلاَّ بمن يدلُّه عليه، ويذكِّره به، ويُذَاكره بهذا الأمر.

ومن علامات صحته:
أنه إذا فاته وِرْدُه، وجد لفواته ألَمًا أعظم مِن تألُّم الحريص بفوات ماله وفَقْده.

ومن علامات صحته:

أنه يشتاق إلى الخدمة[5]، كما يشتاق الجائعُ إلى الطَّعام والشراب.

ومن علامات صحته:
أنه إذا دخل في الصَّلاة، ذهب عنه هَمُّه وغمُّه بالدُّنيا، واشتدَّ عليه خروجه منها، ووجد فيها راحتَه ونعيمه، وقُرَّةَ عينه، وسرورَ قلبه.

ومن علامات صحته:
أن يكون هَمُّه واحدًا، وأن يكون في الله.

ومن علامات صحته:
أن يكون أشحَّ بِوَقتِه أن يذهب ضائعًا من أشدِّ الناس شحًّا بماله.

ومن علامات صحته:

أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظمَ منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه، والنَّصيحة والمتابعة، والإحسان، ويشهد مع ذلك منَّة الله عليه فيه، وتقصيرَه في حقِّ الله، فهذه ستَّة مَشاهد، لا يشهدها إلاَّ القلب الحيُّ السليم.

وبالجملة: فالقلب الصحيح:
هو الذي هَمُّه كلُّه في الله، وحبُّه كله له، وقصده له، وبدَنُه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كلِّ حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه، الخلوة به آثَرُ عنده من الخلطة، إلاَّ حيث تكون الخلطة أحبَّ إليه[6]، وأرضى له، قرَّة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه.

فهو كلَّما وجد من نفسه الْتفاتًا إلى غيره، تلا عليها: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ [الفجر: 27 - 28]، فهو يردِّد عليها الخِطَاب بذلك؛ لِيَسمعه من ربِّه يوم لقائه، فينصبغ القلب بين يدَيْ إلهه ومعبوده الحقِّ بصبغة العبوديَّة، فتصير العبودية صفةً له وذوقًا لا تكلُّفًا، فيأتي بها تودُّدًا وتحبُّبًا وتقربًا، كما يأتي المحبُّ المقيم في محبَّة محبوبِه بخدمته وقضاء أشغاله.

فكلَّما عَرض له أمرٌ من ربِّه أو نَهْي، أحسَّ مِن قلبه ناطقًا ينطق: لبَّيك وسعدَيْك، إنِّي سامعٌ مطيع ممتثل، ولك عليَّ المِنَّة في ذلك، والحمد فيه عائدٌ إليك.

وإذا أصابه قدَرٌ وجَد من قلبه ناطقًا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز، الضَّعيف المسكين، وأنت ربِّي العزيز الرَّحيم، لا صبر لي إلاَّ أن تُصبِّرني، ولا مستعان لي إلاَّ بك، ولا انصراف لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.

فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكلِّيته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمةٌ أُهدِيَت إليَّ، ودواء نافعٌ من طبيب مشفِق، وإن صرف عنه ما يحبُّ، قال: شرًّا صرف عنِّي"[7].
[1] البخاري (2996)، وأبو داود (3091).

[2] نقلاً من "الموسوعة الفقهية الكويتيَّة" (36/ 353).

[3] "زاد المعاد" (4/ 5).

[4] "زاد المعاد" (4/ 7).

[5] يعني: يشتاق إلى القيام بأوامر الله التي أمرَه بها.

[6] يعني: حيث تكون الخلطة يحبُّها الله، فالعبد يحبُّها؛ لأن الله أحبَّها له؛ كالجمعة والجماعات.

[7] "زاد المعاد" (1/ 72 - 73) ط. دار المعرفة.

************ التوقيع **********
لا اله الا الله محمد رسول الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سارة
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

عدد المشاركات : 895
المـكان : ارض الله
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: آداب المريض وزيارته 1   السبت 24 مارس 2012 - 1:27

فـوائد المـرض

1 - المرض إرادة خير للمؤمن:
ففي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن يُرِد الله به خيرًا، يُصِبْ منه))[1].

2 - تكفير الذُّنوب:
عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ الخُدْري - رضي الله عنهما - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما يُصيب المسلمَ مِن نصَبٍ، ولا وصَب، ولا هم، ولا حَزن، ولا أذًى، ولا غم، حتَّى الشوكة يُشاكها، إلاَّ كفَّر الله بها مِن خَطاياه))[2].

ومعنى "النَّصَب": التَّعب، و"الوصَب": المرض، وقيل: هو المرض اللازم[3].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما يزال البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتَّى يلقى الله وما عليه خطيئة))[4].

3 - رَفْع الدرجات:
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما من مسلمٍ يُشاك شوكةً فما فوقها، إلاَّ كتَب الله له بها درجة، ومُحِيَت عنه بها خطيئة))[5].

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الرجل ليَكون له عند الله المنْزِلة فما يَبْلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يَكْره حتَّى يُبلِّغه إياها))[6].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ العبد إذا سبقَتْ له من الله منْزِلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صَبَّره على ذلك؛ حتَّى يُبلِّغه المنْزلة التي سبقَتْ له من الله تعالى))[7].

4 - استخراج عبوديَّة الضرَّاء:
ومعنى ذلك: أنَّ لله عبوديَّةً على العبد في الضرَّاء، كما له عليه عبوديَّة في السرَّاء، ولا يمكن للعبد أن يحقِّق عبودية الضرَّاء إلا إذا كان به نوعٌ من أنواعه، وعلى هذا؛ فبالمرض تتحقَّق هذه العبودية من الصبر والرِّضا والتسليم، وغير ذلك.

وعن صُهَيب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه له خير؛ إنْ أصابه سرَّاء شكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابه ضرَّاء صبر، فكان خيرًا له، وليس هذا لأحدٍ إلاَّ للمؤمن))[8].

5 - اليقظة من الغفلة:
فالمرض يوقِظُ صاحبه من غفلته التي يعيش فيها، حتَّى إن العبد يشهد مع المرض عَدْلَ الله - عزَّ وجلَّ - كما ثبت في الحديث عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزن، فقال: اللَّهم إنِّي عبدُك، ابنُ عبدِك، ابنُ أمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنْزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندَك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب هَمِّي، إلاَّ أذهب الله عنه حزنَه، وأبدله مكانه فرَحًا))[9].

قال ابن تيميَّة - رحمه الله -: "مصيبةٌ تُقْبِل بها على الله، خيرٌ لك من نعمة تنسيك ذِكْر الله"[10].

6 - تطهير القلب والرُّوح:
قال ابن القيِّم - رحمه الله -: "انتفاع القلب والرُّوح بالآلام والأمراض أمرٌ لا يحسُّ به إلاَّ مَن فيه حياة، فصحَّة القلوب والأرواح موقوفةٌ على الآمِ الأبدان ومشاقِّها"[11].

وقال أيضًا: "لولا مِحَنُ الدنيا ومصائبُها، لأصاب العبد من أدواء الكِبْر والعُجْب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سببُ هلاكه عاجلاً وآجلاً، فمِن رحمة أرحم الرَّاحمين أن يتفقَّدَه في بعض الأحيان بأنواعٍ من أدوية المصائب تكون حاميةً له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحَّة عبوديته، واستفراغًا للموادِّ الفاسدة الرديئة المهلِكة منه، فسبحان مَن يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه! كما قيل:

قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ
وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ


فلولا أنَّه - سبحانه - يُداوي عبادَه بأدوية المِحَن والابتلاء، لطَغَوْا وبغَوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبدٍ خيرًا، سَقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذَّبه ونقَّاه وصفاه، أهَّله لأشرَفِ مراتب الدُّنيا، وهي: عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة، وهو: رؤيته وقربه"[12].

وبعدُ - أخي الحبيب - هذه بعضُ فوائد المرض إذا ابتُلِي به الإنسان، ومع ذلك فلا يتمنَّاه المرء، بل يَسأل الله العافية، وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في دعائه: ((اللهم إنِّي أسألك العفوَ والعافية في ديني ودُنياي، وأهلي ومالي))[13]، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((سَلُوا الله العفْوَ والعافية؛ فإنَّ أحدًا لَم يُعطَ بعدَ اليقين خيرًا من العافية))[14]، لكنِّي ذكرتُ هذه المعاني؛ لتكون عونًا لنا على الصَّبْر إذا ابتلي بذلك أحدنا.

وباب المرض وما يتعلَّق به باب واسع جدًّا، لكنِّي أتناول فقط الآداب المتعلِّقة بعيادة المريض، والمتعلِّقة بالمريض نفسه، فهذا هو المقصود من هذا المصنَّف، والله الهادي إلى سواء السبيل.

حكم عيادة المريض:
من الحقوق والآداب التي شرعَها الإسلامُ للتَّرابط والتواصل: عيادة المريض.

ففي حديث أبي هُريرة أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((حقُّ المسلم على المسلم خمسٌ))، وذكَرَ منها: ((عيادة المريض))[15].

واختلف العلماءُ في حكم عيادة المريض على النَّحو الآتي:
الأوَّل: ذهب الجمهورُ إلى النَّدب، وقد تَصِل إلى الوجوب في حقِّ بعض الناس.

الثاني: وذهبَ بعض العلماء إلى الوجوب بمعنى الواجب الكفائيِّ، ممَّن ذهب إلى ذلك: البخاريُّ والداودي، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة[16]، ورجَّحه ابن عُثَيمين[17].

قلتُ: ومِمَّا يدلُّ على ترجيح القول الثاني ما يلي:
1 - قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أطعِموا الجائع، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني))[18].

ففي هذا الحديث أمرٌ من النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعيادة المريض، والأصل في (الأمر) أنَّه للوجوب، وقد قرَنَه النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بإطعام الجائع، وفكِّ العاني (وهو الأسير)، وهما واجبان.

قال الإمام البخاريُّ - رحمه الله -: "باب وجوب عيادة المريض"[19]، ثُمَّ أوردَ هذا الحديثَ وحديث البَرَاء بن عازب: "أمَرَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بسبعٍ ونَهانا عن سبع"[20] - وذكَر في الأوامر: "وأمرَنا أن نتَّبِع الجنائز، ونَعُود المريض".

قال ابن بطَّال - رحمه الله -: "يَحتمل أنَّ الأمر على الوجوب - بمعنى الكِفاية - كإطعام الجائع، وفكِّ الأسير، ويحتمل أن يكون للنَّدب؛ للحثِّ على التَّواصل، وجزَم الداوديُّ بالأوَّل، فقال: هي فرضٌ يَحمله بعضُ الناس عن بعض، وقال الجمهورُ: هي في الأصل للنَّدب، وقد تصل للوجوب في حقِّ بعض الناس دون بعض"[21].

2 - ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة السَّابق: ((خمسٌ تجب للمسلم على المسلم))[22]، فدلَّ ذلك على أنَّ هذه الحقوق إنَّما هي من الحقوق الواجبة.

ومعلومٌ أنَّ هذا الواجب لا يمكن أن يقوم به جميعُ الأمَّة، فكان هذا من فرض الكفاية.

قال الحافظُ - رحمه الله -: "وقد تبيَّن أنَّ معنى "الحقِّ" هنا الوجوب، خلافًا لقول ابن بطَّال: المراد حقُّ الحرمة والصحبة، والظاهر أنَّ المراد به هنا وجوب الكفاية"[23].
[1] البخاري (5645).

[2] البخاري (5642)، ومسلم (2573).

[3] انظر "فتح الباري" (10/ 106).

[4] الترمذي (2399) وأحمد (2/ 287) وقال الترمذي: حسن صحيح.

[5] رواه مسلم (2572)، ورواه البخاري (5640) بنحوه.

[6] رواه ابن حبان (2908)، والحاكم (1/ 344)، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (1625).

[7] أبو داود (3090)، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (3409).

[8] مسلم (2999).

[9] أحمد (1/ 391)، وابن حبَّان (972)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (199).

[10] نقلاً من "تسلية أهل المصائب" ص 224.

[11] "شفاء العليل"، ص 250.

[12] "زاد المعاد" (4/ 173).

[13] رواه أبو داود (5074)، وابن ماجه (3871)، والنسائي (10401)، وأحمد (2/ 25)، وصححه الألباني كما في "صحيح الترغيب والترهيب" (659).

[14] الترمذي (3558)، وأحمد (1/ 3)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (3632).

[15] البخاري (1240)، ومسلم (2162).

[16] "الاختيارات الفقهية" (ص 155).

[17] "الشرح الممتع" (5/ 304).

[18] البخاري (3046)، (5649)، وأبو داود (3105).

[19] انظر: "فتح الباري" (10/ 112)، كتاب المرض، الباب رقم (4).

[20] البخاري (1239)، ومسلم (2066)، والترمذي (3809).

[21] "فتح الباري" (10/ 114).

[22] مسلم (2162)، وأبو داود (5030).

[23] "فتح الباري" (3/ 113).



************ التوقيع **********
لا اله الا الله محمد رسول الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
آداب المريض وزيارته 1
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات هيل وزعفران :: المنتديات العامة :: الملتقى الشــرعي-
انتقل الى: